الشيخ محمد هادي معرفة
202
التفسير الأثرى الجامع
لا يزال يتعامل مع ذوي العقول من الأمّة في تبادل أفكارهم سعيا وراء رضى القوم والتشاور معهم في مهامّ الأمور . وقوّاد بني إسرائيل وكبراؤهم لم يتفطّنوا لهذه الحكمة ، لقصر أنظارهم ، وإنّما نظروا إلى قلّة جدته ، فتوهّموا ذلك مانعا من تمليكه عليهم ، ولم يعلموا أنّ الاعتبار بالخلال النفسانيّة وأنّ الغنى غنى النفس لا وفرة المال ، وما ذا تجدي وفرة المال إذا لم ينفقه في مصالح الخير . قال أبو الطيّب : الرأي قبل شجاعة الشّجعان * هو أوّل وهي المحلّ الثاني « 1 » قوله تعالى : وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ جاء في الأصحاح الرابع من سفر صموئيل الأوّل : أنّه لمّا انكسرت إسرائيل أمام الفلسطينيّين ، اجتمع شيوخ إسرائيل ليعرفوا السبب في انكسارهم ، فكانوا ممّا عزموا عليه أن يصطحبوا التابوت في حروبهم ، وفي ذلك يكون الظفر معهم ببركة التابوت . وهذا التابوت - ويقال له : تابوت العهد - صندوق خشبي في طول ثلاثة أقدام وعرض قدمين وارتفاع كذلك . كانوا - منذ عهد موسى عليه السّلام - قد أودعوا فيه آثار موسى وهارون ولوحين مكتوبا عليهما الأحكام العشرة ، كانوا يتبرّكون به ، ويقدّموه أمام رحلاتهم وكذا في حروبهم ، استنصارا به . وكان مقرّ هذا التابوت ذلك العهد مدينة « شيلوه » « 2 » فأرسلوا من يأتي به ، فأتوا به في مصاحبة ابني عالي - من أحفاد هارون - هما : حفني وفينحاس . فاحتفلوا به وضجّت إسرائيل ضجّة واحدة فرحا بنصر متوقّع ، لكنّ القدر عاكسهم ، وشدّ عليهم الفلسطينيّون شدّة عزم واحد ، فكسروهم كسرة فاضحة ، وسقط من إسرائيل في ذلك اليوم ثلاثون ألف راجل ، وأخذ التابوت وهلك ابنا عالي : حفني وفينحاس . فأخذ الفلسطينيون التابوت وأتوا به إلى مدينتهم « أشدود » وأدخلوه إلى « بيت داجون » وأقاموه بالقرب منه .
--> ( 1 ) التحرير والتنوير 2 : 467 - 468 . ( 2 ) في شماليّ بيت إيل .